عبد الملك الجويني
131
الشامل في أصول الدين
ومما يمنعهم من ذلك مصيرهم إلى أن القدرة لا تتعلق بالحادث في حال حدوثه . وفي هذا نفي تعلق القدرة جملة . فإن العدم لم يثبت عدما بالقدرة ، وإذا ثبت الوجود ، لم يكن متعلقا للقدرة ، وهذا قطع لتعلق القدرة . وسنبسط القول في ذلك في أحكام الاستطاعة إن شاء اللّه . وأما ما ذكروه من أن ما أثبتموه من أفعالنا ، أحلتموه في صفة فعل اللّه تعالى ، فقد اندرج جواب ذلك حيثما قدمناه . ومما يعترضون به قولهم : إن شيخنا خالف أصله ، حيث أثبت العجز فيما لا تتصور القدرة عليه . وهذا الذي ذكروه غباوة وجهل ، فإن العجز قد يراد به ضد القدرة ، وقد يعبر به عن عدم الاقتدار ، حتى لو قال قائل : لو اجتمع العالمون على خلق جسم عجزوا عنه ، لم يكن ذلك مستنكرا في الإطلاق . والذي يوضح ذلك : أن قلب العصا ، وفلق البحر ، وإحياء الموتى وما ضاهاها : سميت في الشريعة معجزات ، من حيث عجز الخلائق عن الإتيان بمثلها ، مع العلم بأن معظم آيات الأنبياء ليست من قبيل مقدورات الخلق . وإنما غرض شيخنا وضع الكتاب على العبارات المعهودة المتداولة في تفاوض الناس ، مع تجنب اصطلاحات المتكلم ، والتمسك باللفظ اللغوي أولى من التمسك بما يصطلح عليه فئة من الناس . وأما ما اعترضوا به من قولهم : إن الاستدلال بالقرآن على الدهرية ونفاة الصانع لا يتحقق ، وهذا باطل من أوجه : أقربها سببان . أحدهما : أن شيخنا لم يستدل عليهم بنفس الآية ، وإنما استدل عليهم بمعناها ، وهي تنطوي على وجه الحجاج . والذي يوضح ذلك : أن الرب تعالى احتج بما ذكره على الكفرة والمنكرين فذكره شيخنا ليقيم الاحتجاج به ، على حسب ما أراد اللّه من الاحتجاج . فوضح أن ما ذكروه قدح في احتجاج اللّه على طوائف الكفرة . والوجه الآخر : أن شيخنا لم يرد بذكر الآية احتجاجا ، بل رام تقريب الأمر على منكري الكلام من الحشوية والمقلدة . فإنهم ظنوا أن الكلام في التوحيد ، مما أبدعه المتأخرون ، واستحدثه الخلف بعد انقراض سلف الأمة ، فأوضح شيخنا في كل أصل من الأصول أن الذي تركوه من الحجاج مذكور في كتاب اللّه منصوص عليه ، وأن كلامنا في تقدير التفسير الكتاب والشرح له ، فهذا ما أراد به من ذكر الآي ، وهذا غرض سديد لا ينكره متأهل محصل . القول في نفي التشبيه اعلموا أرشدكم اللّه أن من أعظم أركان الدين نفي التشبيه . وقد افتتن فيه فئتان وابتلى عليه طائفتان . فغلت طائفة ، ونفت جملة صفات الإثبات ، ظنا منهم أن المصير إلى إثباتها